فخر الدين الرازي

48

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع وفي اشتقاقها وجوه ، قال المبرد : أخذت فيما أحسب من قولهم : طم الفرس طميما ، إذا استفرغ جهده في الجري ، وطم الماء إذا ملأ النهر كله ، وقال الليث : الطم طم البئر بالتراب ، وهو الكبس ، ويقال : طم السيل الركية إذا دفنها حتى يسويها ، ويقال للشيء الذي يكبر حتى يعلو قد طم ، والطامة الحادثة التي تطم على ما سواها ومن ثم قيل : فوق كل طامة طامة ، قال القفال : أصل الطم الدفن والعلو ، وكل ما غلب شيئا وقهره وأخفاه فقد طمه ، ومنه الماء الطامي وهو الكثير الزائد ، والطاغي والعاتي والعادي سواء وهو الخارج عن أمر اللّه تعالى المتكبر ، فالطامة اسم لكل داهية عظيمة ينسى ما قبلها في جنبها . [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 35 إلى 36 ] يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ( 35 ) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى ( 36 ) المسألة الثانية : قد ظهر بما ذكرنا أن معنى الطامة الكبرى الداهية الكبرى ، ثم اختلفوا في أنها أي شيء هي ، فقال قوم : إنها يوم القيامة لأنه يشاهد فيه من النار ، ومن الموقف الهائل ، ومن الآيات الباهرة الخارجة عن العادة ما ينسى معه كل هائل ، وقال الحسن : إنها هي النفخة الثانية التي عندها تحشر الخلائق إلى موقف القيامة ، وقال آخرون : إنه تعالى فسر الطامة الكبرى بقوله تعالى : يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى فالطامة تكون اسما لذلك الوقت ، فيحتمل أن يكون ذلك الوقت وقت قراءة الكتاب على ما قال تعالى : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً [ الإسراء : 13 ] ويحتمل أن تكون تلك الساعة هي الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار ، ثم إنه تعالى وصف ذلك اليوم بوصفين : الأول : قوله تعالى : يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى يعني إذا رأى أعماله مدونة في كتابه تذكرها ، وكان قد نسيها ، كقوله : أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [ المجادلة : 6 ] . الصفة الثانية : قوله تعالى : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله تعالى : لِمَنْ يَرى أي أنها تظهر إظهارا مكشوفا لكل ناظر ذي بصر ثم فيه وجهان أحدهما : أنه استعارة في كونه منكشفا ظاهرا كقولهم : تبين الصبح لذي عينين « 1 » . وعلى هذا التأويل لا يجب أن يراه كل أحد والثاني : أن يكون المراد أنها برزت ليراها كل من له عين وبصر ، وهذا يفيد أن كل الناس يرونها من المؤمنين والكفار ، إلا أنها مكان الكفار ومأواهم والمؤمنون يمرون عليها ، وهذا التأويل متأكد بقوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها إلى قوله : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا [ مريم : 71 ، 72 ] فإن قيل : إنه تعالى قال في سورة الشعراء : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ [ الشعراء : 90 ، 91 ] فخص الغاوين بتبريرها لهم ، قلنا : إنها برزت للغاوين ، والمؤمنون يرونها أيضا في الممر ، ولا منافاة بين الأمرين .

--> ( 1 ) هذا شطر بيت حرف لفظه وبقي معناه وصوابه : قد وضح الصبح لذي عينين .